ابن قيم الجوزية
76
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الْإِحْسانُ وهذا يقتضي أن أصحابهما من أهل الإحسان المطلق الكامل فكان جزاؤهم بإحسان كامل ( التاسع ) أنه بدأ بوصف الجنتين الأوليين وجعلهما جزءا لمن خاف مقامه وهذا يدل على أنهما أعلى جزاء الخائف لمقامه فرتب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبب على سببه ولما كان الخائفون على نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين ثم ذكر جنتي أصحاب اليمين ( العاشر ) أنه قال وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ والسياق يدل على أنه نقيض فوق كما قال الجوهري فإن قيل فكيف انقسمت هذه الجنان الأربع على من خاف مقام ربه قيل لما كان الخائفون نوعين كما ذكرنا كان للمقربين منهم الجنتان العاليتان ولأصحاب اليمين الجنتان اللتان دونهما . فإن قيل فهل الجنتان لمجموع الخائفين يشتركون فيهما أم لكل واحد جنتان وهما البستانان ؟ قيل هذا فيه قولان للمفسرين ورجح القول الثاني بوجهين ( أحدهما ) من جهة النقل و ( الثاني ) من جهة المعنى فأما الذي من جهة النقل فإن أصحاب هذا القول رووا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « هما بستانان في رياض الجنة » وأما الذي من جهة المعنى فإن إحدى الجنتين جزاء أداء الأوامر . والثانية جزاء اجتناب المحارم « فإن قيل » فكيف قال في ذكر النساء « فهن » في الموضعين ولما ذكر غيرهن قال « فيهما » قيل لما ذكر الفرش قال بعدها فيهن خيرات حسان ثم أعاده في الجنتين الأخريين بهذا اللفظ ليتشاكل اللفظ والمعنى واللّه أعلم . الباب الثالث والعشرون في خلق الرب تبارك وتعالى بعض الجنان وغرسها بيده تفضيلا لها على سائر الجنان وقد اتخذ الرب تعالى من الجنان دارا اصطفاها لنفسه وخصها بالقرب من عرشه وغرسها بيده فهي سيدة الجنان واللّه سبحانه وتعالى يختار من كل نوع أعلاه وأفضله كما اختار من الملائكة جبريل ومن البشر محمدا صلى اللّه عليه وسلم ومن السماوات العليا ومن البلاد مكة ومن الأشهر المحرم ومن الليالي ليلة القدر ، ومن الأيام يوم الجمعة ، ومن الليل وسطه ، ومن الأوقات أوقات الصلاة إلى غير ذلك فهو سبحانه وتعالى : يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وقال الطبراني في معجمه حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي حدثنا